![]() |
29 Jan 2025 - منطقة الساحة القديمة في قطاع غزة |
تصبح المسافة الأقرب هي
الأبعد مما تتخيله، فتقف عاجزًا تمامًا أمام قصتك. والمقصود هنا بـ”قصتك” هو ما
تفعله لتصبح جزءًا من هذه الرواية أو المسرحية، كما تحب أن ترى “الحياة”، وربما
فيلم! والعجز هنا لا يقتصر على عدم القدرة على الفعل، بل يمتد ليشمل العجز عن التفكير،
وحتى الإحساس بكل ما يحيط بك. الألوان، الأصوات، ملمس الأشياء وأشكالها تتجرد منك،
والأسوأ من ذلك أنك تتجرد منها.
أقف في الفراغ،
وهذا لا يعني سوى “الفراغ
ذاته”. أتذكر في المراحل الدراسية حين كنا نواجه أسئلة “أكمل الفراغ”، حيث توضع
شرطة بحجم الإجابة المطلوبة ___________ لتكمل الجملة؟ أشعر أنني ضمن سياق هذا
الخط، وما بين السطرين، في الحيز الفارغ الذي لا لون له، لا شكل، لا حالة يمكن وصفها،
لكنه يُقال عنه إنه “أبيض”. المساحة البيضاء بين خطوط الدفتر الزرقاء.
ولكن، ماذا لو كان الفراغ هو
الوجه الآخر لفكرة الوجود ذاتها؟ ماذا لو لم يكن انعدامًا، بل لحظة تسبق الامتلاء؟
إن كنت تشعر أن داخلك خاوٍ، فهل يعني ذلك أنك انتهيت، أم أنك على وشك أن تبدأ من
جديد؟ في الحقيقة، “الفراغ” ليس سوى حالة من بهتان المعنى، لحظة تتلاشى فيها
الحدود بين الداخل والخارج، فيصبح الإنسان في مواجهة نفسه، بلا أقنعة، بلا زوائد،
مجرد كيان معلق بين ما كان وما سيكون.
و ما بين الفراغ والمعنى، قد
يبدو الفراغ نقيضًا للحياة، لكنه في جوهره شرط أساسي لها. مثلًا، الفضاء الكوني:
ظاهريًا، يبدو كامتداد لانهائي من العدم، لكنه في الحقيقة الحيز الذي يحتضن النجوم
والمجرات والكواكب، أي أنه المكان الذي تنشأ فيه الحياة. الفلاسفة على مر العصور
تعاملوا مع الفراغ بطرق مختلفة؛ أرسطو كان يرى أن “الطبيعة تمقت الفراغ”، أي أن كل
فراغ لا بد أن يُملأ بشيء ما، بينما رأى الفيلسوف الصيني لاو تزو أن الفراغ هو ما
يمنح الأشياء قيمتها، فالكوب لا يصبح مفيدًا إلا بسبب الفراغ داخله، والباب لا
يؤدي وظيفته إلا بسبب الفراغ الذي يسمح بالمرور، لربما هذا ما وجدتهُ عندما حاولت
البحث عن "معنى الفراغ" والذي قد لا يكون بالضرورة مصادر موثوقة! وذلك
لأنني مازلت ابحث عبر Google بعد ان تم تدمير المكتبات.
إذن، هل الفراغ نقص أم
استعداد؟ هل هو غياب أم إمكان؟ في اللحظات التي نشعر فيها بالفراغ الداخلي، هل
يعني ذلك أننا فقدنا المعنى، أم أننا ببساطة في مرحلة إعادة تشكيله؟ والسؤال
يراودني على نحو خاص… ما هو فراغ الفلسطيني في غزة؟
لا أعتقد أنه خلال فترة
الإبادة الجسدية والنفسية وإبادة جميع معالم المدينة قد اختبر الفلسطيني فراغه! أو
لتكون الجملة على نحو أكثر دقة: “يختبر الفراغ الفلسطينيين بشكل أو بآخر”.
والمقصود هنا بالفراغ، قد يكون من الجنون أن تشعر أو ترى على الأقل مساحات “فارغة”
في ظل امتلائها، بأعداد النازحين وتكرار حالة النزوح، بالإضافة إلى استعمار الفضاء
الصوتي: صوت الزنانات، الكواد كابتر، الهليكوبتر، وغيرها… وصولًا إلى صوت جنزير
الدبابة! أين الفراغ في ظل استعمار كل ما هو محيط بك وإبادة المساحات التي تجعلك
تتمنى لو أنك كنت بفراغها! والذي يحاول صديقنا ماجد ان يبحث فيه!
إذًا، نحن لا نتحدث عن الفراغ
العاطفي الذي يتركه فقدان شخص عزيز، ولا الفراغ الوجودي الذي نشعر به عند فقدان
الهدف، ولا الفراغ الفكري الذي يعقب انتهاء فكرة كنا نظنها يقينًا. في كل مرة نشعر
بهذا الخواء، نحن نتحدث عن فراغنا الداخلي والخارجي رغم اكتظاظه أو “استعماره”.
ليكون أمامنا خياران: إما أن نملأه بأي شيء لمجرد الهروب منه، أو أن نتأمله،
نستكشفه، ونبحث في داخله عن احتمالات جديدة. تتضمن تلك الاحتمالات “فعل النجاة”.
أنظر إلى فراغي الأول،
“ذاتي”. أنا في لحظة التكوين الأولى، حين يعتقد طرفان أنهما قادران على إعادة
تعريف ذواتهما من خلال “نطفة” صغيرة تتشكل على هيئة جسد يُدعى الجنين، أليس هذا
أيضًا شكلًا من أشكال الفراغ الذي يحمل في داخله إمكانية الحياة؟ ربما تكون هذه هي
الجدلية الأعمق: الفراغ ليس غيابًا، بل استعدادًا.
ثم أنظر إلى السيدات اللواتي
أنجبن في الحرب! تخيّل؟ انعدام الحياة ومواجهة أصعب ظروفها، وفي ظل ذلك يعِدن
تشكيل الحياة داخلهن. كل تلك الولادات التي تبدأ من الفراغ! ولأنك داخل هذا الحيز
الضيق، تجد نفسك في مواجهة الفراغ.
وفي السؤال عن معنى الفراغ،
والفراغ كمساحة للتحول بين الموت والخلق، عندما نقف في لحظة فراغ، نشعر بثقل الزمن
علينا. ربما لهذا السبب نخشى الفراغ، لأنه يجبرنا على مواجهة الوقت، مواجهة الذات،
ومواجهة الأسئلة التي نحاول الهروب منها. إلى أين ذهب أصدقاؤنا الشهداء؟ الذين
قتلتهم الآلات الحربية الإسرائيلية! وكيف أصبحت فجأة في الشارع دون بيت؟ وإلى أين
يذهب الأصدقاء بعد كل هذا الألم؟ لماذا لم يعد الوقت يجمعنا في المساء بعد العمل؟
ولماذا لم تعد هناك نزهات العطلة؟ مع أنك عدت إلى فراغك الأول؟ وكيف أصبحت غير
قادر حتى على التعبير عما في جوفك؟
هل الفراغ هو اللحظة التي نقف
فيها على حافة المجهول، ونقرر ما إذا كنا سنملأه بأي شيء، أم أننا سنبحث عن شيء
يستحق أن يملأه، أو نترك ذاتنا فارغة تمامًا حتى من السؤال ذاته؟
كل ولادة تبدأ من فراغ، كل
فكرة جديدة تنشأ من لحظة صمت، كل تغيير حقيقي يبدأ من مساحة فارغة. لربما فرصة ؟
ولربما، كل وجود هو استمرارية
لفراغ ما! في النهاية، الفراغ ليس شيئًا نخافه، بل شيئًا يجب أن نتعلم كيف نتعامل
معه.
لا يقتصر الفراغ على الغياب،
بل هو أيضًا مساحة للتحول. عندما تُهدم مدينة، يتحول المكان الذي كان يعج بالحياة
إلى فراغ: الشوارع، الأزقة، صوت الصغار ولعبة الكرة في المساء، السماء وهاجسها
أسلاك الكهرباء العشوائية، ولربما حبل منشر غسيل جارتك! ليس مجرد حالة داخلية، بل هو مرتبط بعلاقتنا بالزمان
والمكان. عندما نكون في أماكن مألوفة، نشعر أن الفراغ ممتلئ بالذكريات، وهذا
ما حدث تحديداً امام مشهد روؤية منزلي "ركام"! وعند انتقالنا إلى مكان جديد، شعرنا بهذا
الفراغ. الزمن أيضًا يخلق فراغات بين اللحظات، وبين الذكريات.
لكن كيف لهذا الفراغ نفسه أن
يصبح أساسًا لإعادة تشكيل المدينة؟
اتجول في شوارعنا ليدهشني فعل
قيام المدينة بعد الإبادة، المحلات الصغيرة تفتح أبوابها لكل العشاق، قدرتنا على
ولادة الحب أولًا قبل أي فعل آخر. من منا لم يفرح لأن محل “كاظم للآيس كريم” في حي
الرمال فتح أبوابه من جديد، وهرول إليه ليعيد طعم المدينة بأكملها في فمه! ومن منا
لا ينتظر في فراغه قهوة “بدر وهنية – مزاج” لتعيد تصنيع القهوة؟ كنت أناقش أختي
مجدل وأقول لها إن قهوة مزاج هي روح غزة، فحين كان المصنع يطحن البن ويحمصه، كان
الحي كله يتعطر برائحته.
وحين اسمع اصدقائي يتحدثون عن
انهُ كيف مدينتنا كالعنقاء، افكر قليلاً مع ذاتي إذا كان لا بد من مناقشة نظرية
التطور، فإن الفلسطيني الغزي وحده خارج حدود هذه النظرية، وحده كان وما زال
“عنقاء” قادرة على النهوض من تحت الركام، ليزيحه ويعيد فعل البناء.
هذا يجعلني أتساءل: هل الفراغ
هو الشرط الأساسي للإحساس بالزمن؟ زمن الإبادة؟

Comments
Post a Comment